31-12-2007 المجلة الدولية للصليب الأحمر الافتتاحية ![]() في مقال بعنوان "شهادة جمالية عن الحرب", كتب الكاتب العراقي حسن مطلق: "هناك شيء آخر عرفته من خلال تجربة الحرب, عرفت بأننا لسنا جادين أبداً, لا في كتاباتنا ولا في قراءاتنا, ذلك إن ما كتبناه وما قلناه لا يساوي جزءاً يسيرا من هذا الألم الهائل: ألم الصدمة المميتة, المعرية, صدمة الحرب, وجهاً لوجه أمام الموت...". كان العراق في ما مضى جزءا من بلاد الرافدين العريقة, مهد الحضارة وكنف الثقافة السومرية التي أشعّت العالم بنورها. وتربعت الخلافة العباسية, منذ ما يزيد على ألف سنة, على ما كان يعتبر آنذاك إحدى الحضارات الرائدة في العالم لما ازدهر فيها من فنون وعلوم وآداب. وكان العراق منذ عهد قصير لا يزيد على 30 سنة من بين البلدان الأكثر ثراءً في المنطقة, يتمتع باقتصاد متنامٍ ومستوى تعليمي عال بين السكان ونظام رعاية صحية مستقر. إلا أنه كابد مؤخراً حالة عنف ممتد وتدهور اقتصادي سيتحمل عواقبها طيلة العقود القادمة. وإذا كان من الممكن الاختلاف في عدد العراقيين الذين أصيبوا خلال النزاع الدائر منذ عام 2003, فمما لا شك فيه أن الضحايا, مهما بلغ عددهم, قد فاقوا عشرات الآلاف من بين قتلى وأعداد أكبر من الجرحى في صفوف العراقيين. وعانى سكان العراق أيضا من حالة الترويع والترهيب ليس فقط بسبب الهجمات العشوائية التي تعرضوا لها بل أيضا نتيجة انتشار العصابات الإجرامية المتورطة في عمليات الاختطاف والابتزاز والسرقة والسلب الجماعي للممتلكات العامة. وأدت تلك الأعمال الإرهابية, بصرف النظر عن الآثار المباشرة التي خلفتها, إلى تدهور الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية التي وصلت حالة من التدني جعلت من المتعذر الاعتماد عليها في أحسن الأحوال, بالإضافة إلى فقر مطلق يعاني شدته عدد كبير من العراقيين. ولذلك لا غرو من أن يكون خمس السكان العراقيين من بين المشردين في الداخل أو الفارين إلى الخارج. سرعان ما أدى الانشغال بسلوك الأطراف المتحاربة في العراق إلى حجب النقاش حول شرعية الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على رأس قوات التحالف. وانتهت الحملة العسكرية القصيرة الأجل نسبيا إلى إسقاط نظام صدام حسين مثيرة في الوقت نفسه أسئلة عن شرعية سير الأعمال العدائية ولا سيما القضية الحساسة المتعلقة بالأضرار الجانبية التي تجسدت في مقاساة السكان المدنيين وتخريب بنية البلد التحتية. وسرعان ما احتلت الأسئلة المتعلقة بقانون الاحتلال مركز الصدارة, وأسندت السلطة إلى قوات التحالف بموجب قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة بهدف تغيير القوانين العراقية, وتشكيل حكومة جديدة وإعلان نهاية الاحتلال. كانت بلاد الرافدين على مرّ التاريخ موطأ قدم للمهاجرين على اختلاف أعراقهم, ويتجلى ذلك في المجتمع العراقي اليوم عبر الإرث الذي تركته شتى الأعراق والقبائل والثقافات والديانات والطوائف العديدة على إثر اختلاطها وامتزاجها طيلة قرون. ولم يؤد غزو العراق إلى انهيار نظامه الاستبدادي فحسب, بل أيضا إلى تغيير معالم مجتمعه. فعقب الانفجارات التي تعرضت لها سمراء في شباط/فبراير 2006, برزت الطبيعة الطائفية كإحدى خصائص العنف الأساسية لا سيما في العاصمة وفي مناطق أخرى. فهرب السُنّة نتيجة لذلك أو اضطروا إلى الهروب إلى المناطق السنّية وكذلك الشيعة إلى المناطق الشيعية, بينما فرّ الأكراد إلى مقاطعات الشمال الأكثر هدوءاً, وبحثت فئات الأقليات الأخرى, مثل المسيحيين, عن ملاذ في أنحاء مختلفة من محافظة نينوا. وفقد السكان كل ممتلكاتهم خلال تلك التحركات, إلا أنهم كانوا يشعرون بالأمان على الأقل. وقُسّمت بغداد والمناطق المجاورة في أغلبيتها إلى أجزاء طائفية محدودة تحتضن جماعات مسلحة ما انفكت تعزز سلطتها وتشدد قبضتها على أجزاء البلاد متصدية لسيطرة الحكومة ومتقاتلة في ما بينها أحياناً. ورغم الشعور المتضارب لدى العديد من العراقيين, فإنهم باتوا ينظرون إلى القوات الأمريكية المسلحة على أنها المانع الوحيد الذي يحول, ولو بصفة مؤقتة, دون نشوب حرب أهلية دامية أو نزاع إقليمي, في الوقت الذي يبدو فيه أن دعم الشعب الأمريكي للحرب العراقية قد تلاشى في الولايات المتحدة. يُنظر في الكثير من الأحيان إلى المسائل الرئيسية التي تواجهها الحكومة العراقية المنتخبة ديمقراطيا من منظور الاعتبارات الطائفية أو العرقية أو القبلية. فلا يزال استقطاب المجتمع العراقي يعيق الوصول إلى الحلول التوفيقية الضرورية من أجل تحقيق المصالحة الوطنية والمراجعة الدستورية وتقاسم عائدات النفط وتدبير شؤون المحافظات ومستقبل كيركوك واعتماد التدابير الأمنية وحسن الإدارة, بما في ذلك توفير الخدمات الأساسية ومكافحة الفساد. ومع ذلك, فإن قوى التلاحم ليست غائبة. فلمّا كان لدى الأكراد مصلحة في الإبقاء على وحدة العراق, انقطعوا عن المطالبة بالاستقلال رغم تصميمهم على المحافظة على مركزهم الخاص. كما انقطعت مطالب الشيعة بالاستقلال في المنطقة الجنوبية من العراق. وأبدى العديد من السنّة المعارضين للحكومة في السابق رغبتهم في التكيّف مع الوقائع السياسية الجديدة في العراق ولو بصفة مؤقتة. إن الانقسام بين السنّة والشيعة, بل والأكثر منه الانقسام بين الأكراد والعرب يتهددان وحدة البلاد. ولا تعاني البلدان المجاورة للعراق من عبء اللاجئين العراقيين فحسب بل يريبها أيضا أن تؤدي الأوضاع في العراق إلى زعزعة استقرارها الداخلي. وتنظر الدول ذات الأغلبية السنّية بقلق إلى امتداد النفوذ الإيراني في المناطق العراقية التي يسيطر عليها الشيعة, في حين يشكل الحكم الذاتي الذي يتمتع به أكراد الشمال على نطاق واسع مبعث قلق بالنسبة إلى تركيا وسوريا وإيران. وفي حال استمرار تدهور الوضع في العراق فإنه سيزيد من حدة التوترات الدولية. وقد يضيف تفكك العراق الذي لا ترحب به الأغلبية العظمى من السنّة والشيعة, بعداً جديدا إلى الحرب ويخلف آثارا خطيرة على الصعيد الدولي وعواقب أخطر في المجال الإنساني. ولا يزال النزاع في العراق يمثل أحداث الساعة بعد أن أوقع البلد في معاناة هائلة لا يبدو لها نهاية في الأفق. تعرضت منشآت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بغداد في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2003 لانفجار انتحاري راح ضحيته أحد عشر شخصا. وكان كل مندوب للجنة الدولية على علم بالانفجار الذي دمّر مقر الأمم المتحدة في العاصمة العراقية منذ شهرين وأودى بحياة "سيرجيو فييرا دي ميلو" وعدة أشخاص آخرين. وكان من الواضح أنه لم يكن أي شخص في مأمن من الهجمات الرهيبة التي يرتكبها أشخاص لا يميّزون بين المقاتلين والمدنيين بل, على العكس, يوجهون ضرباتهم الشنيعة إلى السكان الأبرياء. ومع ذلك ورغم التحذيرات, كان الهجوم ضد اللجنة الدولية في بغداد ضربة مروّعة أجبرت اللجنة الدولية على النظر بتمعن في البيئة الاجتماعية السياسية التي تعمل فيها وتعيد تقييم دورها وقدرتها على العمل في ظروف متقلبة وتستعرض قدراتها على تلبية الاحتياجات في مكان تبدو فيه المساعدات الإنسانية غير المتحيّزة غير مرغوب فيها دائما. تطرح الحرب في العراق تحديات أمام جميع الأطراف المشاركة فيها بما فيها الجهات الإنسانية الفاعلة. ويشمل هذا العدد الخاص من المجلة مقالات يبحث فيها عدد من الكتاب البيئة الاجتماعية والسياسية والإنسانية السائدة في العراق في الوقت الراهن ويقيّمون وقع النزاع على القانون الإنساني والعمل الإنساني. ونحن نأمل أن تساعد آراؤهم في تحسين فهم هذا النزاع المعقد وتمهد الطريق لتخفيف معاناة الشعب العراقي.
|