28-08-2008 تحقيقات الصومال: مدونة قواعد السلوك لصيانة السكان أثناء الحرب – كيف تسخّر الإذاعة لإنقاذ الأرواح شرعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الصومالي ومحطات الإذاعة المحلية في بثّ سلسلة من البرامج عبر الإذاعة تهدف إلى تعزيز توعية الجمهور بالمدونة الصومالية لقواعد السلوك العرفية أثناء الحرب المعروفة باسم مدونة "بيري ما جيدو" (الناجي من الحَربة/Spared from the Spear) وأُسس القانون الدولي الإنساني. ظلت الاشتباكات المسلحة المتقطعة تتخلل طيلة سنوات الحياة اليومية في العاصمة الصومالية التي اكتوت بحديد الرصاص. إلا أن مقديشو تعيش هذا المساء حالة هدوء غير معتادة. فقد هفت دوي القذائف في الجزء الجنوبي من المدينة. وخرج الأطفال حفاة يلعبون كرة القدم في ساحات قاحلة، في حين ينتهز المارة فرصة الهدنة لشراء شيء من الغذاء أو الفحم بدخلهم الهزيل. الالتحاق بحشود النازحين خارج المدينة في ضواحي مقديشو، ينكب أفراد إحدى الأسر في مقديشو على ترتيب الأدوات اللازمة للطبخ والحصائر على ظهر حمار مستعدين لمغادرة البلاد بعد أن سقطت قذيفة على بيتهم منذ أسبوع، والالتحاق بمئات الآلاف من النازحين الذين لاذوا بملجأ في مخيمات مرتجلة نُصبت على حافة طريق "أفغوي" على بعد بضعة كيلومترات من المدينة المنكوبة. يجلس فرح غوري البالغ من العمر 20 سنة تحت الحائط يحتمي بظله ويصغي باهتمام إلى المسرحيات الإذاعية التي تبثها يومياً محطة "أف أم" المحلية. وكان قد قرر وسائر أفراد أسرته البقاء في مقديشو رغم انعدام الأمن واستمرار الاشتباكات المسلحة. ضحايا الهجمات العشوائية في الحاضر يقول فرح: "لم أسمع بمدونة "بيري ما جيدو" من قبل مثل أي شاب آخر في الصومال ويعود ذلك إلى 17 سنة عاشها الصومال يعاني من الحرب والفوضى والكوارث الطبيعية المتكررة والنزوح المستمر للعائلات وغياب فرص التعليم سواء كان تقليديا أو معاصرا". ويستطرد حديثه قائلا: "صارت النساء والأطفال والمدنيون اليوم أهدافا للهجمات العشوائية خلال الاشتباكات التي تندلع في مقديشو ومناطق أخرى". ووُضعت مدونة قواعد السلوك العرفية الصومالية، "بيري ما جيدو"، منذ قرون مضت لتنظيم سلوك الأفراد والجماعات والعشائر بالاحتكام إلى المسؤولية الخلقية وممارسة الضغوط الاجتماعية في ضمان إنفاذ أحكامها. وكان الصوماليون في السابق يطبقون أغلبية قواعدها تمشياً مع التعاليم الإسلامية ذات الصلة بأخلاقيات الحرب. مدونة قواعد السلوك "بيري ما جيدو" في الماضي يقول أحد الأمثلة الصومالية في معناه "إن الحرب تمهد للسلم". وتكفل مدونة "بيري ما جيدو"، استباقاً إلى إحلال السلام، الحماية لفئات النساء والأطفال والضحايا الذين وقعوا في براثن القتال والجرحى والأسرى، وتلزم معاملتهم معاملة إنسانية أثناء سير العمليات العدائية. ويقول عفي، منسق الاتصالات في جمعية الهلال الأحمر الصومالي، الذي لا يعرف التعب ولا الكلل: "إن القانون الدولي الإنساني يستمد أحكامه من الأعراف والقوانين العسكرية والقواعد العامة، وقد وُضع ليُطبق في أوقات الحرب وبالتالي من السهل شرح مدونة قواعد السلوك "بيري ما جيدو" المرادفة للصوماليين". وبرامج الإذاعة التي وضعتها اللجنة الدولية والهلال الأحمر الصومالي، وهي تتضمن مسرحيات ورسائل ومناقشات عبر الهواء، موجّهة إلى الجمهور الشاب وتستهدف الأشخاص المشاركين مباشرة في المواجهات المسلحة ولا يعرفون إلا القليل أو لا شيء من القانون الدولي الإنساني أو مدونة "بيري ما جيدو". ويقول "بنجامين واهرن"، نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية في الصومال: "الصومال بلد يعاني من دمار الحرب الأهلية منذ حوالي 17 سنة. وفي مقديشو ومدن أخرى حيث تندلع اشتباكات متكررة بالأسلحة، يقع السكان في الكثير من الأحيان في مخالب القتال، وتقصف المناطق السكنية أيضا". ثم يقول: "يتيح مستشفى "المدينة" ومستشفى "كيساني"، وهما مستشفيان رئيسيان في مقديشو تدعمهما اللجنة الدولية، العلاج لعشرات السكان الذين يصابون أسبوعياً بالرصاص أو شظايا القذائف. وتشكل النساء والأطفال الثلث من المصابين الوافدين". إفادة متعددة المظاهر من خدمات الإذاعة يجلس فرح بالقرب من مذياعه يصغي بانتباه ويقول: "إنني على يقين أن البرامج الإذاعية حول مدونة "بيري ما جيدو" سيكون لها وقع إيجابي على عدد كبير من الشبان المشاركين في النزاع المسلح ولا يحترمون القواعد الأساسية لسير القتال خلال المواجهات". ويسترسل قائلا: "إن مدونتنا لسلوك الحرب أقدم عهداً بدون شك من قانونكم الدولي الإنساني. وينبغي أن يعلم الجميع بها وأن يفتخر الصوماليون بها ويحترمون أحكامها كل الاحترام". وتسخّر الإذاعة أيضا للاستفادة من برامجها في مجالات مختلفة لأنها أهم وسيلة إعلام جماهيري في الصومال بحكم التقاليد الشفهية القديمة فيه. كما تعمل اللجنة الدولية بالاشتراك مع محطات "أف أم" الإذاعية لبث برامج التوعية بمرض الكوليرا. وفي إطار برامجها المشتركة التي تهدف إلى إعادة الروابط بين العائلات المشتّتة بسب النزاع المسلح، تعمل اللجنة الدولية والهلال الأحمر الصومالي أيضا بالاشتراك مع القسم الصومالي لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" (خدمات الإرسال الإذاعي على موجات قصيرة) لبثّ أسماء الأشخاص المفقودين الذين يبحث عنهم ذويهم في الصومال وجميع أنحاء العالم (انظر الموقع |